أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )
191
الكامل في اللغة والأدب
الملك ، فقال له متعجبا : أما يشغلك ما أنت فيه ، وبعرضه عن هذا « 1 » ؟ فقال : ما ينبغي أن يشغل المؤمن عن قول الحق شيء . فأمر عبد الملك بحبسه وصفح عن قتله ، وقال بعد يعتذر إليه : لولا أن تفسد بالفاظك أكثر رعيتي ما حبستك . ثم قال عبد الملك : من شكّكني ووهّمني حتى مالت بي عصمة اللّه فغير بعيد أن يستهوي من بعدي ، وكان عبد الملك من الرأي والعلم بموضع . وفادة أحدهم على معاوية وتزعم الرواة أن رجلا من أهل الكتاب ، وفد على معاوية وكان موصوفا بقراءة الكتب . فقال له معاوية : تجد نعتي في شيء من كتب اللّه ؟ قال : أي واللّه لو كنت في أمّة لوضعت يدي عليك من بينهم ، قال : فكيف تجدني ؟ قال : أجدك أول من يحوّل الخلافة ملكا والخشنة لينا ثم إن ربك من بعدها لغفور رحيم . قال معاوية ، فسرّي عني . ثم قال : لا تقبل هذا مني ولكن من نفسك فاختبر هذا الخبر . قال : ثم يكون ما ذا ؟ قال : ثم يكون منك رجل شرّاب للخمر سفّاك للدماء ، يحتجن الأموال « 2 » ويصطنع الرجال ويجنب الخيول ويبيح حرمة الرسول . قال : ثم ما ذا ؟ قال : ثم تكون فتنة تتشعّب بأقوام حتى يفضي الأمر بها إلى رجل أعرف نعته يبيع الآخرة الدائمة بخط من الدنيا مخسوس « 3 » ، فيجتمع عليه من الك وليس منك ، لا يزال لعدوّه قاهرا وعلى من ناوأه ظاهرا ، ويكون له قرين « 4 » مبير « 5 » لعين ، قال : أفتعرفه إن رأيته ؟ قال : شدّ ما . فأراه من بالشام من بني أميّة ، فقال : ما أراه هاهنا . فوجه به إلى المدينة مع ثقات من رسله فإذا عبد الملك يسعى مؤتزرا في يده طائر ، فقال للرسل : هذا
--> ( 1 ) بعرضه : بالتحريك وهو ما يعرض للإنسان من مرض ونحوه . ( 2 ) يحتجن الأموال أي يحسبها . ( 3 ) مخسوس : منقوص دنيء . ( 4 ) قرين : أراد به الحجاج بن يوسف الثقفي . ( 5 ) مبير : أي مهلك يسرف في إهلاك الناس .